الحقيقة عارية

 ثمة لحظة يعرفها كل من خُدِع ولو مرة واحدة في حياته... لحظة تكتشف فيها أن من كان أمامك لم يكذب عليك أبداً، لا بالمعنى الحرفي للكلمة، لم يقل جملة واحدة غير صحيحة، لكنه أيضاً لم يخبرك يوماً بالحقيقة كاملة. تلك اللحظة أعمق بكثير من لحظة اكتشاف كذبة صريحة، لأنها تهدم فكرة كنا نظنها بديهية: أن غياب الكذب يعني وجود الصدق. لا، هذان مفهومان منفصلان تماماً، يلتقيان أحياناً لكنهما لا يتطابقان أبداً.

الصدق فعل يمارسه الإنسان بمعزل عن وجودك، قرار يتخذه مع نفسه قبل أن يتخذه معك، أما الثقة فحكمٌ تصدره أنت عليه بعد مراكمة طويلة من الملاحظة والانتظار والاختبار غير المعلن. لهذا فإن أخطر ما نفعله هو خلطنا بين الاثنين، نمنح ثقتنا لمن لم يكذب علينا بعد، متناسين أن "بعد" هذه كلمة زمنية لا أخلاقية، وأن الوقت وحده كفيل بكشف من كان صادقاً فعلاً ومن كان يجيد فقط تجنّب الكذبة الصريحة.
كبرت وأنا لا أعرف طريقاً آخر غير الصدق، لا لأنني أفضل من غيري، بل لأن الكذب – بصراحة – يحتاج ذاكرة لا أملكها وجهداً لا أطيقه... أن تكذب يعني أن تبني نسخة موازية من نفسك وتحافظ على اتساقها إلى الأبد، وأنا أصلاً أتعب من نسخة واحدة. لكن هذا الصدق، الذي ظننته يوماً سيجلب لي القبول، جلب لي غالباً الوحدة، لأن الناس – مهما ادّعت رغبتها في سماع الحقيقة – تعوّدت على نسخة مخفّفة منها، نسخة تُقال بلطف مصطنع وتُستقبل بابتسامة مجاملة، وحين تصلها الحقيقة عارية دون تلك الطبقة الواقية تشعر أنك جرحتها، وهي في الحقيقة لم تُجرح، فقط لم تعتد أن يُنظر إليها بلا مرآة مموَّهة.

نحن مجتمعات ربّت أبناءها على الكذب الصغير باعتباره أدباً، وسمّته "مجاملة"، وعلّمتهم أن الصدق الكامل وقاحة، وأن كتمان الحقيقة أحياناً من باب "السَّتر"... وهكذا كبرنا ونحن نُحسن فن الكذب الأبيض حتى صار لوننا الحقيقي مجهولاً حتى عنّا نحن، وصرنا لا نثق حتى بمشاعرنا لأننا لا نعرف أي جزء منها حقيقي وأي جزء منها تدريب اجتماعي طويل على المجاملة. وحتى في عالمنا الجديد، عالم الشاشات والصور المصقولة، أصبح الصدق نفسه أداءً: يكتب الناس اعترافاتهم الحميمة على صفحاتهم لا لأنهم صادقون بل لأن الصدق صار "محتوى" يُستهلك، وصارت الثقة تُمنح لمن يُجيد عرض شفافيته لا لمن يملكها فعلاً.

فكيف تثق إذن؟

لا تثق بمن يقسم لك كثيراً، فالقسم المتكرر اعترافٌ خفي بأن كلامه وحده لا يكفي...

ولا تثق بمن يتغيّر حديثه عنك في غيابك، فالغياب هو الاختبار الوحيد الذي لا يمكن التحايل عليه...

ولا تثق بمن يعتذر بسرعة أكبر من سرعة تفكيره في خطئه، فالاعتذار السريع غالباً ترضية لا ندماً...

ثِق بمن يعترف بخطئه حتى حين لا تعرفه أنت...

ثِق بمن يخبرك بما يوجعك حين يكون صمته أسهل وأأمن له...

ثِق بمن لا يتغيّر ثباته تجاهك سواء كنت بحاجته أو لست كذلك.

في أساس كل كذبة يكمُن خوف: خوف من الرفض، خوف من فقدانك، خوف من أن تكون الحقيقة أصغر أو أقبح مما تتوقعه ممن تحب. ولذلك فإن الكاذب في أغلب الأحيان ليس شريراً بقدر ما هو خائف، لكن هذا لا يبرر له شيئاً، لأن ثمن خوفه كنتَ أنت، وهذا ظلم لا يُغتفر مهما بررناه بهشاشة من ارتكبه.

ما زلت، رغم كل ما مررت به، أمنح ثقتي ببطء شديد، حجراً حجراً كما يُبنى الجدار، وما زلت أعرف أن هذا الجدار قابل للهدم في لحظة واحدة إن أراد صاحبه ذلك... لكنني تعلمت أخيراً ألا أُحمّل نفسي وزر خيانة لم أرتكبها، وأن انكسار ثقتي بشخص لا يعني انكسار قدرتي على الثقة من الأساس. فرقٌ بسيط، لكنه أنقذني من أن أتحوّل إلى إنسان لا يصدّق حتى الصدق حين يراه أمامه.

يبقى سؤال معلّق لم أجد له جواباً بعد: هل الثقة فعلاً موهبة نملكها أو نفتقدها، أم أنها ببساطة مسألة اختيار... من نقف بجانبهم طويلاً بما يكفي حتى نراهم كما هم، لا كما نتمنى أن يكونوا؟