‏إظهار الرسائل ذات التسميات إِقْــتِــصَــاْدْ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إِقْــتِــصَــاْدْ. إظهار كافة الرسائل

أصل الأول من أيار







Rosa Luxemburg

روزا لوكسمبورغ

 




الفكرة السعيدة في استخدام احتفال العطلة البروليتارية ، وسيلةً للحصول على يوم عملٍ ذي ثماني ساعات ، هذه الفكرةُ وُلِـدَتْ ، أولاً ، في استراليا . إذ قرّرَ العمالُ هناك ، سنة 1856 ، تنظيمَ يومٍ للتوقف الكامل عن العمل مصحوبٍ باجتماعاتٍ وتسلياتٍ ، تأييداً ليوم عملٍ ذي ثماني ساعات. في البداية كان مقرراً أن يكون هذا الإحتفالُ في الحادي والعشرين من نيسان . وكان العمال الأستراليون يريدون أن يحتفلوا هذا الاحتفال للعام 1856 فقط. لكن الاحتفال الأول كان له وقْعٌ شديدٌ على جماهير البروليتاريا في أستراليا ، رافعاً معنوياتهم ، ودافعاً إياهم نحو تحريضٍ جديدٍ ، وهكذا تقرّرِ أن يقام الاحتفال كل عامٍ 
والحقّ يقالُ : ماذا يمكن أن يمنح العمالَ شجاعةً أكثرَ ، وإيماناً بقوّتهم ، غير توقُّفٍ تامٍّ عن العمل ، قرّروه بأنفسهم؟ وماذا يشجِّـع الأرقّـاءَ المؤبَّدين للمعامل والـمَـشاغلِ غير تعبئة قوّاتهم الخاصة؟

هكذا جرى التقبُّـلُ السريع للاحتفال البروليتاري ؛ ومن أستراليا بدأَ ينتشر في البلدان الأخرى ، حتى شملَ العالَمَ البروليتاري بأســرهِ 

أول مَن حذا حذوَ العمالِ الأستراليين ، كان العمال الأميركيون . ففي 1886 قرروا أن يكون الأول من أيار يوم توقُّفٍ كاملٍ عن العمل. وفي ذلك اليوم ، ترك مائتا ألفٍ منهم عملهم ، مطالبين بيوم عملٍ ذي ثماني ساعاتٍ 

في ما بعدُ ، منعت الشرطةُ والمضايقاتُ القانونيةُ ، العمالَ ، ولعدة سنواتٍ ، من إعادة تظاهرةٍ بهذا الحجمِ 

لكنهم في العام 1888 جددوا قرارهم ، محدِّدين أن يكون الإحتفال القادم في الأول من أيار 1890 
في الوقت نفسه ، صارت حركة العمال في أوربا أقوى ، وأكثرَ حيويةً . والتعبيرُ الأجلى لهذه الحركة حدثَ في مؤتمر العمال العالمي ، سنت 1890 . وفي هذا المؤتمر الذي حضره أربعمائة مندوب ، تقرّرَ أن يكون يوم العمل ذو الساعات الثمان ، المطلبَ الأولَ 
هنا أيضاً طالبَ مندوبُ النقابات الفرنسية ، العاملُ لافين ، من بوردو ، بأن يُـعَـبَّـرَ عن هذا المطلب ، في جميع البلدان ، من خلال توقُّفٍ شاملٍ عن العمل . مندوب العمال الأميركيين أشارَ إلى قرار رفاقه ، الإضرابَ في الأول من أيار ، 1890 ، فقرّرَ المؤتمرُ اعتبارَ هذا التاريخ يوماً للإحتفال البروليتاري العالمي 

إذاً ، قبل ثلاثين عاماً ، في أستراليا ، فكّـرَ العمالُ بمظاهرةِ يومٍ واحدٍ فقط .
المؤتمر قرّرَ أن يتظاهر عمالُ كل البلدان ، معاً ، من أجل يوم عملٍ ذي ثماني ساعاتٍ ، في الأول من أيار 1890 

لم يتحدّثْ أحدٌ عن تكرار هذه العطلة في السنوات المقبلة . ومن الطبيعي أن أحداً لم يكن ليتنبّـأَ بالسرعة الخاطفة التي ستنجح فيها الفكرةُ ، ويجري تبنِّـي الطبقة العاملة لهذه الفكرة . وعلى أي حالٍ ، كان مجرد الإحتفال بأول أيار ، مرة واحدة ، كافياً لكي يفهم الجميعُ ويشعروا بأن الأول من أيار ينبغي أن يكون ظاهرةً مستمرةً تقامُ كل عامٍ 

طالبَ الأول من أيار ، بتطبيق يوم العمل ذي الساعات الثمان . لكنْ حتى بعد بلوغ هذا الهدف ، لم يجرِ التخلِّـي عن الأول من أيار 

فما دامَ نضال العمال ضد البورجوازية والطبقة الحاكمة مستمراً ، وما دامت الـمَطالبُ لم تُـلَـبَّ ، فإن الأول من أيار سيكون التعبيرَ السنويّ عن تلك الـمَـطالب 

وحينَ يطلُّ فجرُ أيامٍ أفضلَ ، حين تبلغ الطبقة العاملة العالمية غاياتِـها ، فآنذاك ، أيضاً ، قد يجري الإحتفالُ بالأول من أيار ، على شــرف النضال المرير ، وعذابات الماضي الكثيرة 

كتابة روزا لوكسمبورغ
ترجمة : سعدي يوسف

" كُتِبت المادة سنة 1894 ، و نُشِرت لأول مرةٍ باللغة البولندية في صحيفة سبرافا روبوتنيتشا . النصّ الإنجليزي مأخوذٌ من " الكتابات السياسية المختارة لروزا لوكسمبورغ " ترجمة دِكْ هوارد Dick Howard ، الصادر في نيويورك عن Monthly Review Press 1971 – الصفحات 315-316 "

الانهيار المالي ... والحتمية الديالكتيكية

شهد شهر أيلول للعام 2008م الماضي إنهياراً شاملاً في النظام الاقتصادي العالمي وخصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت أقوى دولـةٍ اقتصاديةٍ في العالم ... وكان تأثيرُ هذا الانهيار أنْ فقدت الولايات المتحدة السيطرةَ الاقتصادية المالية على العالم وفقدت أيضاً قدرتها على قيادة العالم اقتصادياً ... الدولار الأمريكي الذي كان سيدَ العملاتِ العالمية أصبح كأيِّ عملةٍ لدولةٍ ضعيفةٍ اقتـصادياً وأصبحت العملة العالمية الرائدة حالياً هي اليورو ... هذا ما كنت أريده
الأزمة الحالية التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية هي جزءٌ صغيرٌ منَ الحتميةِ التاريخيةِ التي أؤمنُ بها ... المتعددة الأوجه المعقدة الفهمْ البسيطة المحتوى ... فلنأتي لتعريف هذه الأزمة ليس اقتصادياً لكن كما نواجهها الآن وبشكلٍ مختصرٍ وخاصٍ بالولاياتِ المتحدة


الأَزْمَةُ المَالِيَّةْ: تعريف

هي التوسعُ الهائل في منح القروض العقارية في سوق الولايات المتحدة الأمريكية مقابل سعر فائدةٍ أعلى ... والهدف هو تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح ( قد تكون حالة فساد إداري في إدارة تلك المصارف ) ... سارت الأمور لسنواتعديدة على هذا النحو وبشكل جيد ... لكن مع تراجع أسعار المنازلْ ومع تراجع النمو الاقتصادي الأمريكي أصبحت هناك قروضُ عقارات بمئات المليارات يعجز من حصلوا عليها على تسديدها ... ويقول خبراءُ الاقتصادِ بأنَّ العملية معقدة الحل بسبب عمليات "التوريق" والتي تعني قيامَ البنوكِ بتحويلِ ضمانات القروض التي تمتلكها إلى أوراقٍ ماليةٍ تحصلُ بها على قروضٍ جديدةٍ , وهذه القروضُ الجديدة تقومُ بنوكٌ أو مؤسساتٌ مالية ٌأخرى بتحويلِ جانبٍ منها إلى أوراقٍ ماليةٍ تحصُل بها على قروضٍ جديدةٍ وهكذا ... والنتيجة ُهنا أننا حصلنا على بناءٍ ماليٍ متراكمٍ منْ عدةِ طوابق يمكن أنْ ينهارَ إذا إنهارَ أيُّ طابقٍ منه


نَتَائِجُ هَذا اْلإِنْهِيَارْ: مقتبس 

أعلنت عدة مؤسسات أميركية إفلاسَها وعَرضت أسهُمها للبيعِ أو اندَمجت مع مؤسساتٍ ماليةٍ أخرى لِتفادي الإنهيار الشاملْ ومن تلكَ المؤسساتِ : مؤسسة واشنطن - ميوتشوال - للخدمات المالية ... بنك الإستثمار الأميركي - ليمان برذارز - ... بنك ميريل لينش الاستثماري ... بنك (إتش.بي.او.أس) البريطاني الشهير ... مئة ٌوسبعينَ ألفَ موظف في أميركا ممن يعملون في القطاعِ المصرفيِّ يفقدونَ وظائفهمْ ... بورصة (وال ستريت) الشهيرة تنهارُ بشكلٍ كامل في نيويورك ... قيمة ُالأسهم في كل بورصاتِ العالمِ تنهارْ وخصوصاً الأسهم العقارية ... عدم التعامل بالدولار في أغلب الأسواق العالمية بعد الأزمة والإقتصار على اليورو الذي لم يتأثرْ كثيراً أو التعاملْ بالعملاتِ الوطنية


دعونا ننتقل للجزءِ الثاني من العنوان ألا وهو الْحَتْمِيَّةْ الْدِيَالِكْتِيْكِيَّةْ ... وليس الحتمية كاملة بلْ قانوناً من قوانينها الذي يُهمَّش غالباً عندَ البحثِ عن مسيرةِ النظامِ الرأسمالي التاريخية ... إنَّ القوانينَ الطبيعية التي تتحكمُ بمسيرةِ نظامٍ اجتماعي ٍمعينْ هِيَ قوانينُ تنشأ ُمِنْ طَبيعَةِ مَسيرةِ هذا النظام سواءً اكتشفها الإنسانُ أمْ لمْ يكتشفها ... ولأنَّ هذهِ القوانين هي بحكمِ الطبيعة وليسَ هناك أيُّ دخلٍ للإنسان بها فإنَّ الاقتصاديين الرأسماليين فشلوا في معالجة هذه القوانين أو تغييرها أو إيقافها




هذهِ القوانين الديالكتيكية التي تلازم أزماتِ النظامِ الرأسمالي والحَدِيْثِ عنْ ماضيهِ التاريخي , وعنْ مستقبلِ ومصيرِ هذا النظام ... تتحدثُ عَنْ تغيراتٍ كميةٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ تحدثُ في هذا النظامِ تتراكمُ بدونِ أنْ تظهرَ على السطحِ وحينَ تبلغُ مرحلةً معينةً مِنَ التطورِ تحدثُ طفرة ٌتؤدي إلى تغييرٍ كيفيّ كتوضيح للأسطر السابقة ... فإن الأزمات المالية تحدثُ نتيجةَ التغيّر المستمر للمجموعاتِ المعدودةِ مثلَ الكتلةِ والحجم التي تأتي على الجانبين الإقتصادي والسياسي وهنا نخصُّ التدريجَ في رأس المال أو الأموال بشكلٍ عام سواءَ أكانتْ ورقيةٍ أو على أشكالٍ أخرى ... وهذه التغييرات لا يظهرُ تأثيرها ولا تظهرُ سلبياتها إلا عندما تبلغ القمة أو مراحل تقودها إلى تغيرِ النظام الاقتصادي أو السياسي وهذا يدعى التحول النوعي للنظام وهنا نخص (الأزمة المالية) ... توصَّل واضع هذه القوانين - كارل - إلى أنَّ الطفرةَ التي قد ذكرتها سابقاً تتلخص في الثورة التي تتطيحُ بالنظامِ الاقتصادي الرأسمالي وتـُحِلُّ محله النظام الاشتراكي وبمرحلته المتطورة النظام الشيوعي




لكن إن لم تحدث الثورة ترى ماذا سيحصل ... بالتأكيد هناك قانونٌ آخرٌ ستسير عليه هذه الطبيعة ألا وهوَ فناءُ الضِّدَّيْن لن أضع مثالاً من مخيّلتي لأنني قد أبتعد عن الموضوع كثيراً ولن أقدرَ على ايصال الفكرة وشرح القانون ... لذا سأكتفي بمثال من سياسي ومفكر ماركسي ... حيث يقول لكن مع الاختصار ... حين ينشأ الجنين في رحم أمه ينمو ويترعرع على حساب دم الام وتنفسها إلى أن يصبح جنينا كامل النمو, إن تطور الجنين طيلة هذه الفترة هو فترة التغيرات الكمية التي تحصل على الجنين, ولكن بلوغ الجنين مرحلة النضوج يحتم الطفرة النوعية اي خروج الطفل من الرحم, فهذا الخروج هو ثورة الجنين على رحم أمه, ولا تتحقق الطفرة النوعية الا إذا أفلح الجنين في ثورته ونجح في الانطلاق من الرحم والتحرر من القيد الذي يفرضه وجوده داخل الرحم على تطوره التالي, أما اذا عجزَ الجنينُ عن تحقيق هذه الطفرة (الثورة) على الرحم يتعرضُ الجنينُ وأمُّهُ للموت, إنَّ عجزَ الجنينِ عنْ تحقيقِ التحرُّرِ منَ الرحمِ وموتهِ وموتَ أمِّه يسمى في القوانين الديالكتيكية قانونَ فناءِ الضدين, ولكن منَ الواضح أنَّ فناءَ الضدين في حالةِ الولادةِ لا يعني فناءَ الجنسِ النسائِي كُلِّه بلْ يعني فناءَ جزءٍ منَ الجنسِ النسائي، هوَ الأم التي عجزَ جنينها عنِ التحرر من رَحمها

فلنرجعْ للقانونِ ونطبقهُ اقتصادياً على النظام الرأسمالي ... مع بناءِ هذا النظام وبدءِ مراحلِ تطورهِ التاريخيةِ تظهرُ فيه الأزمات المالية التي تمثلُ فشلَ الثورةِ ضدَّ هذا النظام ... فقد اكتشفَ - كارل - قانونَ الأزماتِ الاقتصاديةِ (أزمات فيض الانتاج) تحديداً ... وهذا القانون الذي كنا نتحدثُ عنهُ سابقاً ملاصقاً لعديدٍ من القوانين التي أكمل إتمامَها - فريدريك - من بعده وتسيرُ جميعها جنباً إلى جنب مع تطور النظام الرأسمالي ... وكان للاقتصاديين آراء مخالفة لهذه القوانين بحيث اعتبروا انهمْ على قدرٍ من القوةِ لتجاوزها وتعديلها وتغييرها وايقافها لكن ومعَ مرورِ الزمن وتكرر محاولاتهم قد أيقنوا بأنَّ الأزماتِ مرافقة ٌللنظام الرأسمالي ... وهذه الأزمات (فيض الانتاج) كانت تساهم في فناء وازالة وافلاس العديد من المؤسسات والشركات المالية وقد كانت الشركات الكبرى تقوم بابتلاعِ الشركاتِ الصغرى عنْ طريقِ شرائِها بثمنٍ رخيصٍ جداً وبالتالي يكونُ مصيرُ البضائعِ بأنْ ترمى في البحر بلا فائدة (تحرق أو تتلف) ... كذلك تؤثرُ على الناسِ بحيث لا يجدونَ مالاً يشترونَ به قوتهم اليومي وغذائهم وبالتالي يموتون جوعاً ... وهذا ما قدْ أطلقنا عليه سابقاً قانون فناء الضدين ... بحيث لا ينهارُ النظام الرأسمالي بشكلٍ كاملٍ بلْ ينهارُ جزءٌ من النظام الرأسمالي بجانبيه الرأسمالي (الأموال أو البضائع) والشعبي (الناس) ... مثلاً : اذا أفلسَ مصرفٌ معين هذا لا يعني إفلاسَ كافةِ المصارف في العالم بلْ يعني إفلاسَ هذا المصرف وحسبْ وبالتالي التأثير على الناسِ المشتركينَ في هذا المصرف لو فرضنا عدم القدرة على تعويضهم كما يحصل حالياً في الأزمة المالية الحديثة ... وهذه ليست هي الأزمة الوحيدة التي عانى منها النظام الرأسمالي بل قد عانى من قبلها من كثيرٍ من الأزماتِ وسيعاني أيضاً من كثيرٍ من الأزماتِ اذا لمْ يتم تغيير النظام بالكامل 

تحدث وستحدث نتيجة لهذا الإنهيار مآسٍ كثيرة بالنسبة لشعوب العالم ... ففي أمريكا ستفقد ملايين العائلات الأخرى (لأن الكثير قد فقدت) بيوتها لأنها لا تستطيعُ تسديدَ القروضِ التي مُنحت لها من أجلِ شراءِ البيوتِ ... وسيتوسعُ معدل البطالةِ في الشريحةِ العاملة ... ويفقدُ الملايين منَ الناسِ أموالَهم بسببِ إفلاسِ وإغلاقِ البنوك ... ويفقدُ الملايين من أصحاب الرواتب المتوسطة الذين أنفقوا معظم أموالهم في شراءِ الأسهمِ أو استخدموها في أغراض أخرى سيفقدون رواتبهم ... وعلى النطاقِ العالميِّ ستموتُ ملايينٌ أخرى جوعاً وفقراً ... وهناكِ الكثير منَ المآسي التي لنْ أستطيعَ أنْ أحصيها والتي لا نستطيع أنْ نتصورها 

من الجدير ذكرهُ في النهايةِ أنَّ القوانينَ الطبيعيةِ للنظام الرأسمالي تـُحَتـِّمُ إنهيارَه ونهايته ... ولكنَّ هذا الإنهيار أو هذه النهاية لا يمكنُ أنْ تتم إلا بأنْ تقومَ الطبقة ُالعاملة ُالعالمية ُبإشعالِ ثورةٍ على النظام الرأسمالي والإِطاحةِ بهِ بكامل قوتها ... اْلثَّوْرَة ُاْلبُرُوْلِيْتَارِيَّة ُعلى النظام الرأسمالي شَرْط ٌحتميٌ لزوالِ النظام الرأسمالي لذلك لا يكفي أيُّ إنهيارٍ مهما بلغتْ آثارُه وقوته حتى الإنهيار الحالي ... ولا تكفي أية أزمةٍ لإنهاءِ النظام الرأسمالي العالمي



الإقتصاد العالمي : الدولـ$ــار , الانتاج الصيني, الصهيونية



كتاب ألفه باحث أمريكي ، صدر مؤخرا ، حقّـق مبيعات قياسيّة منذ صدوره ، وعندما عُرض على شبكة الإنترنت ، انتشـر بشكل واسـع جدا ، حتى قرأه كبار رجال الدولة في الصين ، كما قرأه رجال الأعمال ، والبنوك ، والصناعة ، هذا الكتاب بعنـوان ، "The currency war" .

وقد لوحق مؤلفه بتهمة معاداة اليهود ( السامية ) ، وسبب ذلك أنه سلّط الضوء على مؤامرة لضرب الإقتصاد الصيني ، أشبه بتلك التي وجهت ضربة قوية في التسعينات لإقتصاديات دول جنوب شرق آسيا( النمور الثماني ) .

وتدور فكرة الكتاب إلى أن مؤامرة تقودها عائلات يهودية قابضة على قاطرة الإقتصاد الغربي ، لاسيما الأمريكي ـ عائلة روتشيد ، وعائلة روكفيلر ، وعائلة مورغان ، و غيرها ، تلك التي أطاحت بستة رؤساء امريكيين ، لأنهم تجاسروا على الوقوف فى وجه قوتهم الإقتصادية ،وحاولوا منعهـم من الهيمنة على الاقتصاد الامريكى ، من خلال السيطرة على الجانب الأكبر من أسهم أخطـر مصرف امريكى ، هو البنك المركزى الامريكى ، المعروف باسم الاحتياط الفدرالي ـ هذه المؤامـرة ، ستسعى إلى خفض قيمة الدولار ، لكي تهــوي بما يسمى ( معجزة الإقتصاد الصيني )

ويقول مؤلف الكتاب ، إنّ انسحاب عائلة روتشيلد اليهودية منذ عام 2004 من نظام تثبيت سعر الذهب ، الذى يتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقـرّا ، هـو خطـوة لقرب تنفيذ عملية ، تستهدف توجيه ضربة قوية للاقتصاد الصينى.

و دعا في كتابه الصين إلى اجراءات وقائية بشراء الذهب بكميات كبيرة من احتياطيها من الدولار ، مشيرا إلى أنّ الذهب هو العامل الوحيد ، القادر على مواجهة أىّ انهيار فى أسعار العملات.

يقول مؤلف الكتاب ، إنّ الصين لم تقدر أن تحول دون تدفق المليارات بصورة تفوق المعقول جدا ، لأنها تتسلل من بوابة "هونغ كونغ" ، و"شينزين" ، المتاخمـة لها ، مشيرا إلى أن وصول الاحتياطي الصينى من العملات الأجنبية إلى أرقام قياسية ـ تزيد عن ألف ملياردولار وهو أكبـر احتياطي من العملات الأجنبية تمتلكه دولة فى العالم ـ فيما تواصل الاستثمارات ، و الأموال السائلة تدفقها من جميع انحاء العالم ، على الأسواق الصينية ، و تشهد التعاملات فى البورصة الصينية قفزات كبيرة هائلة ، وتسجـل أسعار العقارات ارتفاعات قياسية.

هذا كلّه يعني أنه عندما تصل أسعار الأسهم ، والعقارات إلى ارتفاعات مفرطة، تتخطى السقف المعقول ، بسبب توفر السيولات المالية بكميات ضخمة ، فإن ذلك بمثابة صفارة الإنطلاق لتدمير إقتصاد الصين ، وذلك بسحب الإستثمارات من البورصـة ، وسوق العقارات ، ليتسبب ذلك في خسائر فادحة للإقتصاد الصيني .

وبغض النظر عن حقيقة ما في هذا الكتاب العجيب ، من معلومات مثيـرة عن علاقة اليهود بالإقتصاد الأمريكي مع سرد تاريخي لعلاقة ذلك بزعماء أمريكا عبر التاريخ ، وعـن حديثه الشيـّق عن المخطط الصهيوني لضرب الصين .

بغض النظر عن هذا كلّه ، فإنّ تنامي قوة الصين ، وتطلّعها إلى النفـوذ في المشهد العالمي ، منطلقة من حاجة عملاقها الإقتصادي إلى مصادر الطاقـة .

ثـمّ ما سيترتب على ذلك من عقود عملاقة مع دول استراتيجية في العالم ، ودول أخرى تقف موقف المعارض لهيمنة أمريكا على العالم ، وما ينبني على هذا من نفوذ صيـني سياسي أيضـا.

إنّ هـذا كلّه ، بات يشكل قلقـا بالغا لدى الغرب الإمبريالي الرأسمالي ، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية ، حتّـى أصبـح هاجسـا ملحّـا ، يتناولُه كثير من المراقبين ، والدوائر ذات الشأن في أمريكا .

وإليكم بعض الحقائق المنشـورة في كلّ وسائل الإعلام ، عن صيـن القرن الواحد والعشرين :
زادت نفقات الصين العسكرية هذه السنة بنسبة %16.7 ، لتصل إلى 58.76 مليار دولار.

وقد أثار ذلك قلقا متناميا في عدة عواصم غربية ، حتى قال الناطق باسم الخارجية الأمريكية توم كيسي ، إنّ الإدارة البوشية ، وعواصم أخرى ، تريد أن تعرف نوايا الصين ، وأهدافها من زيادة الموازنة العسكرية.

وجاء في التقرير السنوي عام 2007م للبنتاغون ، حول "القدرة العسكرية للصين" ، حسـب وكالـة فرانس برس: إنّ الصينيين يتبعون استراتيجية عسكرية "توسع حقل المعركة الحديثة بإبعادها البرية والجوية والبحرية إلى الفضاء".

وأعرب البنتاغون في هذا التقرير ، عن قلقه من تطوير الصين صواريخ بالستية جديدة عابرة للقارات من طراز "دي إف-31 أيه" ، قادرة على إصابة أهداف في الولايات المتحدة ، ومن طرق "تجاوز انظمة الدفاع المضادة للصواريخ" ، في وقت تطوّر فيـه واشنطن درعهـا المضادة للصواريخ.

وأشار التقرير إلى بناء الصينيين خمس غواصات جديدة من فئة "جين" ، القادرة على حمل صواريخ بعيدة المدى من الجيل الجديد.

وذكر العسكريون الأميركيون ، أنّ التجربة التي قامت بها الصين في كانون الثاني/يناير، لاختبار سلاح مضاد للأقمار الصناعية ، تمكّـن من تدمير قمر صناعي صيني قديم ، لرصد الأحوال الجوية ، "تظهر قدرة الصين على مهاجمة الأقمار الصناعية ذات المدار القريب من الأرض".

كما كشف تقرير صدر من البنتاغون مؤخرا ، أنَّ الصين طورت وسائل للتسلل ، والتحكم في شبكات الكومبيوتر ، ووصف ذلك بأنـه "تهديد جديد وخطر جدا"، وأنّ " التسلل الى شبكات في البنتاغون ، وغيرها من الوكالات الأمريكية ، انطلقت من الصين ".

وأما مساعد وزير الدفاع الأمريكي ، لشؤون شرق آسيا دايفيد سيدني ، فقال : " إن الحرب الالكترونية ، هي جزء يثير قلقا متزايدا " ، وقال : " إن عمليات التسلل متماشية مع ما ستحتاجه الصين إذا ما أرادت شن حرب الكترونية "

وعلى مستوى تكنولوجيا الفضاء ، فتاريخ 15 أكتوبر 2003 انطلق رائد الفضاء الصيني الأول "يانغ ليوي" كي يمضي 20 ساعةفي المدار حول الأرض ، لتصبح الصين بذلك الدولة الثالثة ، التي تقوم بمثل هذا الانجازالعلمي، وذلك بعد 42 سنة من الروسي يوري غاغارين ، و 41 سنة من الأميركي جون غلين ، وبعد هذا التاريخ بعامين من الرحلة الفضائية الصينية الأولى ، قام رائدان آخران بتنفيذ عملية دوران حول الأرض استمرت خمسة أيام تقريباً.

وفي شهر نوفمبر من عام 2005 أطلقت الصين قمراً صناعياً لمراقبة الأرض ، هو "زي ـ 2" الذي كان رقمه هو 82 في الأقمار التي أطلقتها.

لذلك كلّه ، قال الخبـيرالامريكي في الشؤون الدولية ، جاي جون ايكنبيري : " إن تعاظم الصين ، من أهم أحداث القرن الواحد والعشرين "

لكن كلّ هذا الصعود الصيني الذين أطلق عليه المعجزة الصينيية ، إنما يرجع في الحقيقة إلى تنامي الإقتصاد الصيني بصورة سريعة ، ومذهلة .

ولأنَّ القوة الإقتصادية ، هي سـرّ صعود ، أو سقوط ، أيّ أمـّة ، لاسيما في هذا العصر ، ركـّـز مؤلف الكتاب الذي بدأنا بإلقاء الضوء عليه في أوّل هذا المقال ، على المؤامرة لضرب الإقتصاد الصيني بواسطة أسلحة الحرب في الحروب الإقتصادية : العملات ، والذهب ، والنفـط .

فعلى المستوى الإقتصادي ، شهدت الصين منذ إطلاقها عملية الإصلاحات في السبعينيات الميلادية ، شهـدت تضاعف حجم اقتصادها بأربعة أضعاف ، وتحولها إلى أكبر مراكز الصناعة في العالم ، مما أتاح لها متراكمة من كميات كبيرة من العملات الأجنبية ، وحصلت على تريليون دولار أمريكي في أواخر عام 2006 .

والاقتصاد الوطني الصيني ينمو بنسبة 11,9% سنوياً، ويُتوقع أن سيستمر خلال العشرين سنة القادمة ،كما يقول خبراء الدراسات الاقتصادية في جامعة بكين.

ثـم إنّ ازدياد هذا النـمو ، فرض نفسـه على سياسة الصين الخارجية، للتوجه نحو الخارج لتأمين متطلـبات النمو الإقتصـادي، ولاستمرار الحزب الاشتراكي الصيني (CCP) في قيادة البلاد،

لذلك اعتمدت الصيـن استراتيجية الانتشار العالمي Go Global Strategy لتأمين مواردها من مصادرها مباشرة، عبر شراء الموارد اللازمة ، واستثمارها أينما وجـدت .

ولعـلّ من أبرز الأمثلة على هذا السياسة ، وفي معرض بحث الصيـن عـن مصادر الطاقـة ، بحثـت الصين عن تعزيز وجودها في القارة الإفريقية، عبر توقيع كثير من الاتفاقيات مع البلدان الغنية بالنفط من الجزائر ، إلى أنغولا ، ومروراً بنيجيريا والسودان ، حتى بلغ عدد العقود التي أبرمتها الصين مع القارة الإفريقية ، ما يقارب أربعين عقداً منذ عام 2000 ، إلى 2006م .

حتى أصبحت هي المستورد الثاني على الصعيد العالمي للنفط الإفريقي بعد أمريكا ، وقبل اليابان ، وتشير وكالة الصين الجديدة في هذا السياق ، إلى أنّ حجم التجارة بين الصين ، والقارةالإفريقية ، قد تضاعف ثلاث مرات ليصل إلى 37 مليار دولار في عام 2005.. نقلا عن كتاب بوريس كامبريلان، هل ينبغي الخوف من الصين

وقد أثار انعقاد القمة الاستثنائية لمنتدى التعاون الصينى ـ الإفريقى ، قلقا وصل إلى حد الانزعاج فى الدوائر الأمريكية ، حتى أقيمت الندوات ونشرت التحليلات التى تحذر من " استعمار صينى جديد" ، " يزحف على القارة السوداء " ، وقال البعض إن الصين " استولت" على إفريقيا ، ووضعتها فى جيبها!!

ولاريب أنّ الدافع وراء هذا الاستفزاز ، هـو الحسد الأمريكي من نجاح الصين الباهـر في أفريقيا ، ولهذا ردّ الرئيس الزامبى ليفى باتريك مواناواسا ، غاضبـا فقال : " كيف يمكن لنا أن نطلق كلمة استعمار على من يضيف قيمة إلى ما لدينا من مواد أو موارد طبيعية " وقال : : جهود الصين معنا لكى نستكشف موارد بلادنا، بصورة مشتركة، ليست مثالاً على النهب ، أو ما يسمونه الاستعمار الثاني .. فالشراكة بين الصين وزامبيا تقوم على أساس الصداقة ومبدأ الاحترام المتبادل".

ولا عجب فيما قاله الرئيس الزامبي ، ذلك أنّ الصين قد رصدت مليارات الدولارات في صورة معونات غير مشروطة ، وقروض لعشرات الدول الإفريقية ، وقال رئيس الوزراء الصينى وان جيا باو: " إن المساعدة الصينية لإفريقيا ، مخلصة وتقوم على نكران الذات، ولا تتضمن أية شروط، والمشروعات الصينية فى إفريقيا شفافة ، ومفتوحة للجميع" .

وقد وجدت أفريقيا في التنمية الإقتصادية الصينية مستقبلا زاهرا لها ، يخلصها من الإستغلال البشـع للمستعمر الغربي ، لاسيما المستعمر الأمريكي المتغطرس ، والمتسلّط ، والجشـع .

ولهذا أكد عدد من رؤساء الدول الإفريقية أنهم يرون في التعامل مع الصين ، منافع قوميـّة كبيرة، أدت إلى تقليل الفقر في بلادهم ، وأنّ الصين لاتتدخل في شؤونهـم ، وتحفظ سيادة الدول ، وتحترم استقلالها ، بعكس الولايات المتحدة الأمريكية .

ولهذا صارت الصين تشتري سبعين فى المائة من الصادرات السودانية، وأصبحـت انجولا أكبر مصدر للبترول إلى الصين ، وقفزت تجارة الصين مع إفريقيا فتضاعفت في السنوات الأخيرة ، فازداد الفزع الأمريكي ، ولم يستطيع الأمريكيون أن يخفوا شعورهـم بالضّيـق ، واتهموا السياسة الصينية بأنها تخـرب المواقف الأمريكية المعادية لرئيس زيمبابوى روبرت موجابى ، ولرئيس السودان عمر البشير.

ولاريب أن النشاط السياسي الأمريكي المحموم مؤخـرا في القارة السوداء ، وبحثه عن مكان يقبل قواعد عسكرية ، تحت حجة مكافحة الإرهاب ـ تلك الشماعة التي علقت عليها أمريكا جميع مشاريعها الإستعمارية منذ 11/9 ـ إنما يحاول مسابقة الصين على إفريقيـا.

هذا ولا يستبعد أن يكون وراء ما يجري في الإقتصاد العالمي ، تخطيط ماكر للإطاحة بالعملاق الصيني الإقتصادي ، خشية أن تفرض الصين بواسطته ، تغييراً في بوصلة النظام العالمي الذي تريده أمريكا أن يكون تحت سلطانها المطـلق.

ولايخفى أن ما تمارسه الولايات المتحدة الأمريكي من تحرشات واضحة بالصين ـ دعهما لتمرد التبت مثالا ـ يأتي في هذا السـياق .

أما النظام العربي ، فلا عجب أن يقف موقف المتفرج على هذا التحول الكبير في المشهـد العالمي ، ويفـوِّت فرصة التخلص من عبودية الإستعمار الأمريكي الذي ورث المنطقة من الإستعمار البريطاني

وفي النهاية لمن صبر ووصل الى هنا : 
هذا كله عبارة عن تلخيص موضوعي لما يحصل حاليا في الاقتصاد العالمي 
وخصوصا الظنون الموجهة للاقصاد الامريكي وانهيار الدولة العظمى